الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: الآوبة للبلد الأكذوبة (4-4)

هذه القصة قصة واقعية من مآسي الحرب (السودانية السودانية) من بين الآف القصص الأكثر مأسوية منها.. و للمتابعة نرجو الرجوع لما قبلها ان لم تكن قد مررت عليه عزيزي القارئ الكريم.
الصف الثاني و ما بعد الاعتراف
لم يكن الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية انتصاراً كاملاً بل انتقالاً من فراغ إلى اختبار.. الملفات هذه المرة لم تُقرأ بعاطفة.. ولم تُقاس بالنوايا.. بل وُضعت على طاولة باردة خالية من الأمثال والاعتبارات الاجتماعية.. عندما جاء القبول تنفست الأسرة الصعداء.
جامعة معترف بها.. دولة مستقرة.. و طريق واضح أخيراً.. لكن القبول لم يكن كما تخيلوه.. لم تُقبل (ع ع ع) في السنة الرابعة.. و لا حتى الثالثة.. قُبلت في الصف الثاني بعد المعاينات و المقابلات والنتيجة النهائية القبول بالسنة الثانية بكلية طب حقيقية بعد اجتياز إمتحان عند الوصول او تبدأ من الاول.. لم يكن القرار مهيناً و لا عدائياً.. بل كان مهنياً خالصاً.. لغتة الأرقام.. الساعات والمقررات قالت الكلية المحترمة كلمتها دون أن تعرف شيئاً عن الحرب أو الغربة أو (العرجاء لي مراحا).
حين بدأت (ع ع ع) مراجعة ملفها الأكاديمي مع الجهة الجديدة ظهرت التفاصيل التي لم تكن تُرى من قبل تُرى الٱن بعيون مختلفة واللحي على الوجوه لها معانٍ مختلفة (عيون خُدُر) واللحية شقراء
شهادات التفاصيل لمواد الدراسة القادمة من الجامعة الخاصة في السودان كانت تحمل مفارقة صادمة مواد أساسية في كلية الطب تحمل أسماء:-
اللغة العربية
التربية الإسلامية
واللغة الإنجليزية
لم تكن موادا تمهيدية عابرة بل مقررات محسوبة ضمن الساعات الأساسية.. لا أحد قال سابقاً إن هذا خلل.. بل قُدم الأمر بوصفه (خصوصية تعليمية) تعريب واسلمة فنحن اهل الطب وصناعه قبل ان يعرفه العالم و انه امتداداً للهوية وضرورة ثقافية.. لكن حين وُضعت هذه الشهادات أمام نظام أكاديمي صارم لم تُقرأ إلا بوصفها فراغاً معرفياً في مكان لا يحتمل الفراغ.
ثم جاءت السنة الرابعة..
السنة التي لم تأتِ أصلًا..
ففي ذروة الحرب حاولت الجامعة أن تُقنع طلابها بأن الطب يمكن أن يُدرس عن بُعد وان كان في سنته الرابعة.. محاضرات عبر الشاشة.. لا سرير .. لا عنبر .. لا مريض.. لا مستشفى.. (لا بيشنت لا بشتنة) فقط هاتفك المحمول و اتصال إنترنت متقطع.. و رسائل تطمين بأن (هذا هو الحل المتاح) لم يكن الأمر غريباً فقط بل كاشفاً للحقائق.. فالطب الذي لا يقترب من الجسد، و لا يرى الألم، و لا يسمع النفس المتقطع، ليس طباً، بل محاكاة رديئة.. و مع ذلك طُلب من الطلاب (الدفع) و دُفعت الرسوم ليس لأنهم اقتنعوا.. بل لأن الخوف من ضياع سنة أخرى كان أكبر من الشكوك.
وهكذا تحولت السنة الرابعة إلى سنة (أون لاين) بلا سرير ولا مريض.. سنة لا معنى لها سوى تحصيل الأموال، وإقناع الطالب بأن المسار ما زال قائماً.
حين سافرت (ع ع ع) و جلست في أول محاضرة حقيقية بالجامعة الأوروبية أدركت حجم (الفجوة) لم تشعر أنها تعود إلى الخلف.
بل أنها تدخل (كلية الطب) لأول مرة.. كانت المواد مألوفة في أسمائها غريبة في جوهرها.. الشرح مختلف التوقعات أعلى.. والسؤال لم يعد ماذا نحفظ؟
بل ماذا نفهم؟ وماذا نفعل؟
في تلك اللحظة دون دراما ودون دموع قالت (ع ع ع) لنفسها جملة بسيطة لكنها ثقيلة:-
(أنا لم أدرس الطب ساعة واحدة)
لم تقلها ندماً ولا جلداً للذات بل توصيفاً دقيقاً لما حدث..
أربع سنوات مرت.. لم تكن فراغاً كاملاً لكنها لم تكن طباً أيضاً.. كانت زمناً معلقاً يشبه السودان الذي توقفت فيه الحياة لسنوات.. لم تعرف ماذا تفعل بهذا الاكتشاف.. هل تحزن على السنوات الضائعة؟
أم تشكرها لأنها قادتها إلى هذه اللحظة و للحقيقة؟
هل تلوم الجامعة؟
أم الثقافة؟ ام التسلط والخداع؟ أم القرار الأول بالعودة والعاطفة المريضة؟
لم تكن هناك إجابة جاهزة.. لكن بدأت (ع ع ع) حياتها الجديدة بلا شعارات.. ولم تعد (الطبيبة القادمة) في أحاديث العائلة و لا مشروع الفخر الجماعي.. بل طالبة مرة أخرى لكن بحذر أكبر.. و فهم اكثر.. وأسئلة أمهر و وهم أقل و اصغر.. أما الأب فقد صار أقل حديثاً عن العودة و أكثر صمتاً أمام فكرة الوطن.. ليس لأنه كفر بها.. بل لأنه أدرك متأخراً أن الحب وحده لا يكفي لبناء المصائر.
القصة في ظاهرها قصة طالبة طب.. لكنها في جوهرها قصة جيل كامل.
أُعيد إلى وطنٍ يحبه.. دون أن يُسأل إن كان هذا الوطن ما زال صالحاً لأحلامه.
هل بدأت (ع ع ع) من جديد؟ أم أنها ما زالت تدفع ثمن بداية لم تكن لها؟.
ويظل السؤال مفتوحاً
كما الحياة.
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى